محمد بن عبد الملك الشنتريني الأندلسي ( ابن السراج )

902

جواهر الآداب وذخائر الشعراء والكتاب

وكتب بعض ملوك الأكاسرة إلى بعض عمّاله : إذا أنت استكفيت رجلا فأسن رزقه « 1 » ، وشدّ بصالح الأعوان عضده ، وأطلق بالتدبير يده ، ففي إسناء رزقه حسن « 2 » طعمه ، وفي تقوية يده بالأعوان ثقل وطأته على أهل العدوان ، وفي إطلاقك يده بالتدبير ما أخافه عواقب الأمور لموقفه عن أمره على ما له برتبه يمتثله إماما ، ويحفظه كلاما ، فإذا وقع ما يقر به سهمك ، فإليه غرضك وواجبة زيادته عليك . وإن حاد عن أمرك علقته ، وأطلقت بالعقوبة عليه « 3 » يدك والسّلام . وكتب آخر : لا يصلح لسدّ الثّغور ، وقود الجيوش ، وإبرام الأمور ، وتدبير الأقاليم إلّا رجل تكاملت فيه خمس خصال : حزم يتيقن به عند موارد الأمور دقائق مصادرها ، وعلم يحجب عن التّهوّر في المشكلات إلّا عند تجلّي فرصها ، وشجاعة لم تنقصها الملمّات بتواتر حوائجها ، وصدق في الوعد والوعيد يوثق بوفائه بهما ، وجود يهوّن تبديل جلائل الأمور عند سؤالها . وكتب أردشير إلى بعض عمّاله : بلغني عنك أنّك تؤثر اللين على الغلظة ، والمودّة على الهيبة ، ونتيجة المودّة واللين الخزي ، فليشدّ أوّلك بلين آخرك ، ولا تخلينّ قلبا من هيبة ، ولا تعطلنّه من مودة ، ولا يبعدنّ عليك ما أقول ، فإنّهما يتجاوران . وقال ابن عبّاس : « 4 » ما انتفعت بشيء منذ قبض رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم انتفاعي بكتاب كتبه لي عليّ بن أبي طالب : أمّا بعد ، فإنّ الإنسان يسرّه درك ما لم يكن ليفوته ، ويسوؤه فوت ما لم يكن ليدركه « 5 » ، فلا تكن بما نلت من دنياك فرحا ، ولا تأس على ما فات منها جزعا ، وليكن سرورك بما قدّمت ، وهمّك لما بعد الموت .

--> ( 1 ) أسنى رزقه : رفعه . ( 2 ) بالمخطوط : « وحسن » . ( 3 ) بالمخطوط : « عليك » . ( 4 ) الكتاب في ( العقد 1 / 86 ، وصبح الأعشى 10 / 193 ) مع تغيير وتقديم وتأخير . ( 5 ) في ( العقد ) بعد هذه العبارة : « فليكن سرورك بما نلت من أمر آخرتك ، وليكن أسفك على ما فاتك منها . وما نلت من أمر دنياك ، فلا تكن به فرحا ، وما فاتك منها فلا تأس عليه جزعا . وليكن همّك ما بعد الموت » .